محمد بيومي مهران
63
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
في بابل ، ثم ظهر في التاريخ في القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد ، ذلك لأن اليهود قد جمعوا هناك أثناء السبي البابلي تاريخهم بعضه إلى بعض ، وطوروا تقاليدهم ونموها ، ومن ثم فقد أصبح الذين آبوا إلى أورشليم بأمر كيروش الثاني ( 558 - 529 ق . م ) شعبا يختلف اختلافا عظيما في الروح والمعارف عن ذلك الشعب الذي خرج منها مأسورا ، وذلك لأنهم تعلموا الحضارة هناك من البابليين « 1 » . ويقدم العلماء الكثير من الأدلة على تأثير الأدب البابلي في التوراة ، وإن كانوا يختلفون على وقت هذا التأثير وطريقته ، فهناك من يرى أن ذلك إنما كان على أيام الأسر البابلي « 2 » ( 586 - 539 ق . م ) ، بينما يذهب رأي آخر إلى أن ذلك ربما كان في القرن الثامن والسابع ق . م ، أثناء فترة اتصال الإسرائيليين الفعلي بالآشوريين ، ذلك لأن قصة الطوفان هذه - على ما يبدو - لم تكن موجودة في الروايتين المبكرتين في المصدر « اليهوي » ، ذلك لأن واحدة منهما تعتبر أبناء « لامك » الثلاثة من زوجتيه « عادة » و « صلة » أساسا لتقسيمات الجنس البشري ، وأما الأخرى ، فإن اختراع النبيذ - فيما ترى هذه الرواية - لهو أبرز حادث في حياة نوح « 3 » . وهناك رأي ثالث يذهب إلى أن الروايتين - السومرية والبابلية - إنما تسربت إلى بني إسرائيل منذ زمن طويل عن طريق مصادر سومرية وسامية كانت منتشرة في جميع بلاد الشرق الأدنى القديم « 4 » ، لدرجة أن أصبحت معها في متناول الأقوام جميعا ينتحلها هذا أو ذاك ، فيأخذ عنها الرواة كل على هواه ، تمجيدا لذكرى أسلاف ، وقد تكون - في أغلب الأحايين - لا تمت إلى بني إسرائيل أو إلى بني يهوذا أصلا ، إلا أنها صارت بمرور الزمن شائعة مشتركة بين شعوب المنطقة جميعا « 5 » ، فقد مضى الزمن الذي كانت تعالج فيه الأصول الإسرائيلية بعزلة عما كان يتحوطها من مؤثرات ، وإنما تداخلت مع غيرها ، نهبا لتفاعلات اجتاحت المنطقة كلها ، فرسمت مسار التاريخ
--> ( 1 ) H . G . Wells , A Short History Of the World ) Pelican Book ( , 1965 , P . 73 , 78 . ( 2 ) S . A . Cook , op . cit . , P . 481 . ( 3 ) A . Lods , op . cit . , P . 486 . وكذا تكوين 4 : 02 - 22 , 5 : 92 . ( 4 ) ول ديورانت : المرجع السابق ص 368 . ( 5 ) A . Lods , op - cit , P . 160 - 161